عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
187
اللباب في علوم الكتاب
التّهديد ؛ لأنّ [ يوم القيامة هو اليوم الذي يكلّم اللّه تعالى فيه كلّ الخلائق بلا واسطة ، فيظهر ] « 1 » عند كلامه السّرور في أوليائه ، وضده في أعدائه ويتميّز أهل الجنّة بذلك ، من أهل النار . فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد . الثالث : أن قوله : « وَلا يُكَلِّمُهُمُ » استعارة عن الغضب ؛ لأنّ عادة الملوك أنّهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ، ولا يكلّمونه ؛ كما أنّهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث . وقوله « وَلا يُزَكِّيهِمْ » « 2 » فيه وجوه : الأوّل : لا ينسبهم إلى التّزكية ، ولا يثني عليهم . الثاني : لا يقبل أعمالهم ؛ كما يقبل أعمال الأولياء . الثالث : لا ينزلهم منازل الأولياء . وقيل : لا يصلح أعمالهم الخبيثة ، فيطهرهم . قوله « ولهم عذاب أليم » ، اعلم : أن الفعيل قد يكون بمعنى المفعول ؛ كالجريح والقتيل ، بمعنى المجروح والمقتول ، وقد يكون بمعنى « المفعل » ؛ كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم . واعلم أنّ العبرة بعموم اللّفظ ، لا بخصوص السّبب ، فالآية الكريمة وإن نزلت في اليهود ، لكنّها عامّة في حقّ كلّ من كتم شيئا من باب الدّين . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 175 إلى 176 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) اعلم أنّ أحسن الأشياء في الدّنيا الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء الضّلال والجهل فلمّا تركوا الهدى في الدّنيا ، ورضوا بالضّلال والجهل ، فلا شكّ أنّهم في نهاية الخسارة في الدنيا ، وأمّا في الآخرة ، فأحسن « 3 » الأشياء المغفرة ، وأخسرها العذاب ، فلمّا صرفوا المغفرة ، ورضوا بالعذاب ، فلا جرم : أنهم في نهاية الخسارة ، ومن كانت هذه صفته ، فهو أعظم النّاس خسارة في الدّنيا والآخرة . قوله « فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ » في « ما » هذه خمسة أقوال : أحدها : وهو قول سيبويه « 4 » ، والجمهور : أنّها نكرة تامّة غير موصولة ، ولا
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 24 . ( 3 ) في ب : فأخسروا . ( 4 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 37 .